ابو القاسم عبد الكريم القشيري

392

لطائف الإشارات

وكشفنا لك القناع وقلنا * نعم وهتكنا لك المستورا ويقال لما زالت التّهم سلمت لهم هذه الإرادة ، وتحرروا عن إرادة كلّ مخلوق وعن محبة كل مخلوق . ويقال لمّا تقاصر لسانهم عن سؤال هذه الجملة مراعاة منهم لهيبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وحرمة باب الحقّ - سبحانه - أمره بقوله : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ » وبقوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا ترفع بصرك عنهم ، ولا تقلع « 1 » عنهم نظرك . ويقال لما نظروا بقلوبهم إلى اللّه أمر رسوله - عليه السلام - بألا يرفع بصره عنهم ، وهذا جزاء في العاجل . والإشارة فيه كأنه قال : جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعة لهم إلينا ، وخلفا عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا ، فلا تقطع اليوم عنهم نظرك فإنا لا نمنع غدا نظرهم عنّا « 2 » . قوله جل ذكره : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً هم الذين سألوا منه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يخلى لهم مجلسه من الفقراء ، وأن يطردهم يوم حضورهم من مجلسه - صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله . ومعنى قوله : « أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا » : أي شغلناهم بما لا يعنيهم . ويقال « أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا » أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المنعم . ويقال هم الذين طوّح قلوبهم في التفرقة ، فهم في الخواطر الرّديّة مثبتون ، وعن شهود مولاهم محجوبون .

--> ( 1 ) لا تقلع عنهم نظرك أي لا تكف وتبعد . ( 2 ) تهم هذه الإشارة في تقدير مدى تصور الصوفية لشخصية محمد ( ص ) .